ابن ميثم البحراني

40

شرح نهج البلاغة

صغرى القياس الثاني ، وروى : ونعت . بمعنى أنّ اللَّه وصفها له ، ومعنى نعتها لنفسها وصفها بلسان حالها لنفسها ، وبيان أنّها محلّ الهموم والغموم والأعراض والأمراض ودار كلّ بلاء ومنزل كلّ فتنة . وقوله : وإنّما أهلها . إلى آخره . صغرى القياس الثالث ، وتقدير الكبرى في القياس الأوّل : وكلّ من أخبر اللَّه تعالى عنه بذلك فلا ينبغي أن يغترّ به ، وتقديرها في الثاني : وكلّ من وصف نفسه كذلك فلا ينبغي أن يغترّ به ، وتقديرها في الثالث : وكلّ من كان كذلك فلا ينبغي أن يغترّ بفعله ، واعلم أنّه أشار في هذين المثلين إلى قسمة أهل الدنيا أوّلا بقسمين بحسب اعتبار قواهم الغضبيّة والشهويّة واتّباعهم لها : أي فمنهم من اتّبع قوّته الغضبيّة وأعطاها مقتضاها ، ومنهم من اتّبع قوّته الشهويّة واسترسل في قيادها وغفل عمّا خلق لأجله ، وضرب المثل للأوّلين بالكلاب العاوية والسباع الضارية . وأشار إلى وجه مطابقة المثل بقوله : يهرّ . إلى قوله : صغيرها . ووصف الهرير مستعار لتنازعهم عليها ، وكذلك لفظ الأكل لغلبة بعضهم على بعض . وضرب للآخرين مثل النعم باعتبار غفلتهم عمّا يراد بهم كالبهائم ، ثمّ قسّم هؤلاء إلى قسمين : معقّلة ومهملة ، واستعار لفظ المعقّلة للذين تمسّكوا بظواهر الشريعة والإمام العادل فقيّدهم بالدين عن الاسترسال في اتّباع الشهوات والانهماك فيها وإن لم يعقلوا أسرار الشريعة فهم كالنعم الَّتي عقّلها راعيها ، وأشار بالمهملة إلى الَّذين استرسلوا في اتّباع شهواتهم وخرجوا عن طاعة إمامهم ولم يتعبّدوا بأوامره فهم كالبهائم المرسلة . وأشار إلى وجه المشابهة بقوله : الَّتي أضلَّت عقولها . إلى آخره ، ويحتمل أن يريد بعقولها عقلها جمع عقال فأشبع الضمّة وقلَّبها واوا متابعة لقوله : مجهولها ، ويحتمل أن يريد به جمع عقل وهو الملجأ : أي أنّها ضيّعت من يلجأ إليه ، وهو أمامها ، ووجه مطابقة هذا المثل أنّ هؤلاء في عدم انتفاعهم بعقولهم وركوبهم لأهوائهم الفاسدة وشروعهم في مشتهياتهم الدنيويّة مكتسبين للرذائل والعاهات النفسانيّة ليس لهم إمام يقيمهم على طاعة اللَّه في طرق الهدى إلى مكارم الأخلاق قد أشبهوا النعم المهملة الَّتي أضلَّت عقلها وركبت